الإبداع والابتكار المنظم
الطريق إلى التقدم والتطور الحضاري بجميع مجالاته تمر من خلال أجيال عديدة من الأفكار الجديدة التي ينتجها ويحققها أفراد ومؤسسات وضعوا نصب أعينهم التطلع الدائم إلى المستقبل وحل مشكلات غير مرئية في حينه لأغلب الناس. المبدعون والمخترعون والرياديون هم عادة من ينتج الأفكار والمفاهيم الجديدة في جميع مجالات الحياة. ولكن تكمن المشكلة في المجتمعات المعاصرة في استمرار الفكرة الخاطئة عن وجوب امتلاك تلك الموهبة الفطرية الخاصة التي تؤهل أحدهم أن يكون مخترعا أو مبدعا؛ وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء الذين يجدون بأنفسهم القدرة على الإبداع أو الاختراع فما زالوا يعتمدون الطرق العشوائية والمحاولة والخطأ للوصول إلى أفكار وحلول إبداعية جديدة. والمشكلة الحقيقية في عملية الابتكار أو الاختراع هي أن أحدهم قد يقضي أشهرا أو سنين طويلة في البحث عن الفكرة الإبداعية لابتكاره أو اختراعه. حيث يستمر في البحث بتحليل وتغيير وتجميع مختلف المدخلات والتراكيب الممكنة حتى يلمع الحل المثالي في ذهن المخترع، وهذا قد يتطلب مرور مئات أو آلاف البدائل والخيارات في ذهن المخترع قبل الوصول إلى الحل الأمثل، بل أحيانا قد يقضي عمره كله وهو لم يصل بعد إلى الحل المنشود. وهذا الأمر لم يعد مقبولا وليس له مكان في عصر التنافس المعرفي والتقني والاقتصادي الحديث.
من النصوص الأدبية التي تعنى بالتفكير الإبداعي نجد وببساطة أن الإبداع يعرف بأنه الإتيان بشيء جديد ومفيد (ذو قيمة مادية أو معنوية \ نفسية) ؛ وأنه ناتج من عملية التفكير الإبداعي والتي تستدعي:
- الطلاقة الفكرية: إنتاج أكبر عدد ممكن من الأفكار والحلول حول مشكلة أو تصور ما
- المرونة : تنوع واختلاف الأفكار والحلول الناتجة
- الأصالة: الأفكار والحلول جديدة لم توجد أو تعرف من قبل
- التفاصيل: الاهتمام بملء جميع جوانب الفكرة وتفاصيلها
وحسب الفكرة التقليدية للعملية الإبداعية فإنها تتميز بالشمولية والتعقيد وتعتبر من أعلى مستويات التفكير، وقد قام الباحثون في هذا المجال (من أصحاب التخصص النفسي أو التربوي في الغالب!) بوضع أربعة مراحل متتالية تتم من خلالها هذه العملية:
- مرحلة التحضير أو الإعداد: وجود الخلفية الشاملة والمتعمقة مع التفاعل في الموضوع الذي يبدع فيه الفرد.
- مرحلة الكمون والاحتضان: يمر خلالها الفرد بحالة من القلق والخوف اللاشعوري والتردد من القيام بالعمل والبحث عن حلول، وصنفت بأنها أصعب مراحل التفكير.
- مرحلة الإشراق: حيث عندها تحدث الومضة أو الشرارة التي تؤدي إلى فكرة الحل ؛ وحدوثها قد يتعلق بالظروف المكانية أو الزمانية أو البيئة المحيطة، وتوصف كذلك بمرحلة الإلهام.
- مرحلة التحقيق: وهي مرحلة الحصول على النتائج الأصلية المفيدة والمرضية، وحيازة المنتج الإبداعي على الرضى الاجتماعي.
ما سبق قد يكون صحيحا إذا ما ترك أمر الإبداع والابتكار للظهور الطبيعي لأصحاب المواهب الذين تسنح لهم الفرصة بالوجود في الزمان والمكان والبيئة الملائمة لتحقيق إبداعاتهم. ولكن منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين فإن هذه الطرق العشوائية في الابتكار والبحث عن حلول إبداعية جديدة أصبحت شيئا من الماضي، بل أنها لم تعد حكرا على أصحاب مواهب أو قدرات خاصة ؛ حيث ظهرت تقنيات جديدة تعنى بالتفكير الإبداعي والابتكار المنظم؛ وتشتمل على عدد من المبادئ والأدوات والاستراتيجيات التي ترشد وتسرع في الوصول إلى أفكار وحلول إبداعية بطرق منهجية ومنظمة.

تقنيات التفكير الإبداعي الجديدة موجودة فعلا، حيث بدأت بالظهور منذ أواسط القرن العشرين على يد العالم والمخترع الروسي جنريك ألتشولر Genrich Altshuller كنظرية للحلول الإبداعية للمشكلات TRIZ، واكتمل تطور وتبلور قواعدها وأدواتها مع نهاية تسعينات القرن، حتى أصبحت تقنيات التفكير الإبداعي المنظم وفق مبادئ نظرية تريز معتمدة ومعمول بها لدى كبريات المؤسسات العلمية والتقنية والشركات في الدول الغربية. وأنت مدعو هنا لتستكشفها عبر هذا الموقع وإذا رغبت أن تتقنها أيضا من خلال البرامج التدريبية المختلفة.

